كيف حول حسن أبو شادي حياته من هندسة الآبار إلى صناعة الإنسان وتعليم القرآن، ليصبح نموذجًا يحتذى به عالميًا في التعليم الديني؟

نادرًا ما يمتلك المرء الجرأة ليطوي صفحة “المستقبل المضمون” ليبدأ كتابة سيرة جديدة كليًا، لكن قصة حسن أبو شادي الحسني الشريف لم تكن مجرد تغيير في المسمى الوظيفي، بل كانت استجابة لنداء داخلي يرى في “صناعة الإنسان” أثرًا أبقى من “استخراج النفط”.

البدايات: توازي المسارات

وُلد حسن في قلب “مصر القديمة” عام 1990، ونشأ في رحاب القرآن الكريم حفظًا وإتقانًا. ورغم تفوقه الأكاديمي والتحاقه بـ كلية الهندسة جامعة القاهرة (قسم البترول والتعدين)، إلا أن روحه ظلت معلقة بالوحي. لم تكن دراسة المعادلات المعقدة عائقًا أمام شغفه؛ بل برز ككادر قيادي في المسابقات القرآنية، وحصد درع التميز عام 2012، في إشارة مبكرة إلى أن هذا المهندس يحمل في جعبته رسالة تتجاوز حدود المادة.

الصراع بين “الصحراء” و”الحلقة”

عقب التخرج، انخرط حسن في قطاع البترول كمهندس حفر آبار. في البداية، استطاع بذكاء أن يوازن بين قسوة العمل في المواقع النائية وبين رسالته في تعليم القرآن وتحقيق الأسانيد خلال فترات إجازته. لكن مع حلول عام 2017، اشتدت وتيرة العمل وتغيرت أنظمته، لتتحول العزلة في المواقع البعيدة إلى سجن يمنعه من التواصل مع طلابه ومشاريعه العلمية.

اللحظة الفاصلة: حين ينتصر الشغف

جاءت نقطة التحول مع ولادة ابنته “هنا”. استغل حسن إجازة قصيرة ليتمكن خلالها من تخريج دفعة من معلمي القرآن، فشعر حينها بسعادة غامرة جعلته يتمنى لو أن هذا الوقت لا ينتهي. حاول التحايل على ظروف عمله بتسجيل دروس علمية لشرح كتابه “تحفة الأجاويد”، لكن الاستدعاءات المفاجئة للعمل كانت تجهض كل محاولة تقنية للتواصل مع طلابه.

بلغ الصراع ذروته عندما عجز “المهندس” عن ممارسة أبسط حقوقه الإنسانية والاجتماعية، حتى في ترتيب “عقيقة” ابنته التي تأجلت مرارًا بسبب ضغط العمل. حينها، أدرك حسن أن الوقوف في “المنطقة الرمادية” لم يعد ممكنًا.

القرار الكبير: ثمار التفرغ

في عام 2018، وبشجاعة نادرة، ودّع حسن أبو شادي عالم البترول نهائيًا، ملقيًا خلف ظهره الامتيازات المادية لصالح “مشروعه القرآني”. لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، بل واجهته تحديات إدارية ومادية جمة، لكن النتائج كانت مذهلة:

  • تخريج أكثر من 5000 طالب وطالبة بنظام التعليم المباشر.

  • نشر منهجه العلمي في أكثر من 20 دولة حول العالم.

  • تحقيق الأسانيد وتأصيل المنهج التعليمي القرآني.

اليوم، لا يعرّف حسن نفسه بشهاداته الهندسية أو رتبته الوظيفية السابقة، بل يكتفي بلقب يراه الأسمى والأقرب لقلبه: “محب وخادم للقرآن وأهله”. إنها قصة تذكرنا بأن النجاح الحقيقي ليس في ما نملكه، بل في الأثر الذي نتركه في عقول وقلوب البشر.

مقالات ذات صلة